ست العجم بنت النفيس البغدادية
392
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
متهيأة بحمل الواقفين عليها . وقوله : ( وقال لي : يا عبدي تأمل ما أصنع بأهل المراء والجدل والأهواء والبدع ) يشير بهذا الخطاب الرباني إلى قيامه بتذكير العهد كالتصديق ، فإنه أول المصدّقين بأخذ العبد هم العارفون ، لأنهم شهدوه في الدنيا وهو ظاهر لهم عيانا فعند قيام الحجة واستنطاق المتحاجين يكون العارف مبادرا بهذا التصديق ، وفي تجلي الموقف ظهور حقيقة شيء من الربوبية ، فلهذا خوطب هذا الشاهد هاهنا بالعبودية لأجل اتصافه بأوصاف الربوبية والعبودية كامنة في ذاته ، فعند الاستنطاق يكون عبدا فلا ينصرف حكم اسم الرب إلى حين انصراف المتحاجّين كل منهم مستقرا في محله ، فهناك لا يعود لهذا الاسم حقيقة ظاهرة في الآخر ، ويشير بالأمر إلى كونه في حكم هذا الشهود شاهدا للاستواء والقسمة بالعدل ومقابلة الأسماء واستوائها في ميزان الحق ، وقيام أهل الجدال والمراء والأهواء والبدع في مقابلة أهل الإيمان والتبعية والواقفين العارين عن الخلاف والمسلمين المطيعين بحقيقة الرحمة جذبا من الآتي بها . وقوله : ( وأنا القاهر ) حيث كان مستويا على عرش الفضل والخصوم محضرة ، والأحكام إليه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء كان في حال المنع مسمى بالقاهر ، لأن الممنوع مقهور ، سواء إن كان طائعا أو عاصيا ، فحقيقة القهر يظهر لأصحاب الانتقام الذين هم أهل النار ، ثم ينزع اللّه هذا الاسم في صورة التحول ويلبسه الملائكة المتولية على النار وهم الزبانية ، وفي مقابلة هذا الاسم اللطف والرأفة والرحمة التي يلتبس بها خزنة الجنة ، فكلاهما مقهوران « 1 » عند الحجاج ، وعند الفصل يجعل هذا القهر يصيب أهل النار ، فنطقه بالقهر لأجل استوائه على عرش الفضل . ( ص ) [ قوله : ( فرأيت سرادقا مضروبا عموده وأرجاءه وأطنابه من قطران ، فقال لي : هذا سرادق لك ، أفي يقع الخلاف أم بغيري يتكلم ؟ أإلي يقدر هيهات هيهات لما خيّلوا وتّبت أيديهم بما كسبوا ) ] . ( ش ) أقول : يريد بالسرادق مثال النار له كتمثيلها في عرض الحائط للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهذا السرادق هو نصيبه من النار ولو لم يكن إلا قسط العنصر الناري الذي في جسده ، وهذا الشهود يشبه شهوده للصخرة ، فأقيم له هذا الجزء في صورة سرادق يشتمل على
--> ( 1 ) وردت في الأصل مقهورون وتم تغييرها لمناسبة السياق .